الأثر القانوني لعدم تسجيل الشركة في السجل التجاري
الأثر القانوني لعدم تسجيل الشركة في السجل التجاري
عندما تتفق مجموعة من الأشخاص على تأسيس شركة في دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الخطوة الأولى التي تخطر ببالهم عادةً هي صياغة عقد التأسيس وتحديد حصص الشركاء وصلاحيات الإدارة. وقد يظن البعض أن ذلك يكفي لبدء النشاط التجاري، غير أن القانون الإماراتي لا يعتد بوجود الشركة ما لم تُسجَّل رسميًا في السجل التجاري؛ فالتسجيل هو البوابة التي تمنح الشركة شخصية قانونية، وتجعل تعاملاتها مع الغير والجهات الرسمية معترفًا بها. وبناءً على ذلك، فإن الوجود القانوني للشركة يتحقق من لحظة تسجيلها في السجل التجاري. ومن هنا، يتناول المقال دور التسجيل في اكتساب الشخصية الاعتبارية، ونفاذ عقد الشركة في مواجهة الغير، وحجية البيانات المقيدة في السجل التجاري، ثم يستعرض شروط مباشرة الشركات الأجنبية لنشاطها، والجزاءات ومسؤولية القائمين على الإدارة، ويختتم بمناقشة حماية الاسم التجاري وحقوق الملكية الفكرية.
اكتساب الشخصية الاعتبارية
نصت الفقرة الأولى من المادة (21) من قانون الشركات التجارية رقم 32 لسنة 2021 النافذ، على ما يأتي:
(تكتسب الشركة اعتبارا من تاريخ قيدها بالسجل التجاري لدى السلطة المختصة شخصية اعتبارية وفقا لأحكام هذا المرسوم بقانون والقرارات الصادرة بموجبه)
وقد أكدت محكمة التمييز في أبو ظبي هذا الحكم في الطعن التجاري رقم (1029) لسنة 2024، الصادر بجلسة 12/11/2024:
(… المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – في مفاد نص المادة (21/1) من قانون الشركات أن الشركة أيا كان نوعها وبمجرد تكوينها تكون لها شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء فيها وتكون من ثم هي صاحبة الصفة في كل ما يتعلق بوجودها وأموالها وفي المقاضاة عن طريق ممثلها القانوني كمدعية أو مدعى عليها وذلك على استقلال من الشركاء فيها…)
نفاذ عقد الشركة في مواجهة الغير
وإلى جانب مسألة اكتساب الشخصية الاعتبارية، تبرز مسألة نفاذ عقد الشركة في مواجهة الغير، التي عالجتها المادة (15) من قانون الشركات التجارية؛ إذ أوجبت تسجيل هذا العقد، وكذلك البيانات الواجب تسجيلها. وإذا لم يتم التسجيل، فإن عقد الشركة لا يُعد نافذًا تجاه الغير، وهو بهذا المعنى يكون باطلًا بين الشركاء، ويمكن لأي منهم التمسك بهذا البطلان فيما بينهم، إلا أنه لا يمكن التمسك به تجاه المتعاملين مع الشركة (الغير). كما أن كل بيان يتعلق بالشركة لا يكون نافذًا تجاه الغير ما لم يُسجَّل في السجل التجاري.
وهذا ما عالجته الفقرة الثانية من المادة (15) من قانون الشركات التجارية النافذ، بالنص الآتي:
(إذا لم يسجل العقد على النحو المذكور بالبند (1) من هذه المادة، كان غير نافذ في مواجهة الغير، وإذا اقتصر عدم القيد على بيان أو أكثر من البيانات الواجب تسجيلها، كانت هذه البيانات وحدها غير نافذة في مواجهة الغير)
وقد أكدت محكمة التمييز في أبو ظبي هذا الحكم في الطعن التجاري رقم (772) لسنة 2025، الصادر بجلسة 06/08/2025؛ إذ اعتبرت المحكمة أن عدم تسجيل عقد الشركة لا يؤدي إلى نشوء شركة تتخذ أحد الأشكال القانونية للشركات المنصوص عليها في القانون، مما يترتب عليه بطلان عقد الشراكة. ويمكن لأي من الشركاء التمسك بهذا البطلان في مواجهة الشركاء، إلا أنه لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير.
حجية البيانات المقيدة في السجل التجاري
ويمتد دور التسجيل إلى حجية بيانات الشركة التجارية؛ فهذه الحجية تُعتمد من تاريخ القيد في السجل التجاري، ولا يمكن الاحتجاج بأي بيان في مواجهة الغير ما لم يُقيَّد فيه، سواء كانت تلك البيانات لصالح الشركة أم ضدها.
ويؤكد المعنى المتقدم الحكم الصادر في الطعن التجاري رقم (484) لسنة 2025، الصادر بجلسة 19/05/2025؛ إذ قررت المحكمة أن القيد في السجل التجاري حجة ضد الشركة، وأن إعلان الطاعنة على العنوان ورقم الهاتف المقيدين في الرخصة الصادرة من وزارة الاقتصاد إعلان صحيح. ولا يمكن للطاعنة الاحتجاج بتقديم صورة رخصة ثانية صادرة عن دائرة التنمية الاقتصادية، طالما أنها لم تقدم ما يفيد إلغاء الرخصة الأولى الصادرة من وزارة الاقتصاد. وعليه، قررت المحكمة عدم قبول الطعن.
ولو فرضنا أن شركة أبرمت اتفاقًا داخليًا يعدّل صلاحيات المدير، إلا أنها لم تسجل ذلك الاتفاق في السجل التجاري باعتباره بيانًا جديدًا من بيانات الشركة، فلن يستطيع الشركاء الاحتجاج بصلاحيات المدير الجديدة تجاه الغير؛ لعدم تسجيل ذلك التعديل في السجل التجاري.
شروط مباشرة الشركات الأجنبية لنشاطها
وللشركات الأجنبية متطلبات خاصة لمباشرة نشاطها في الدولة؛ فقد عالجت المادة (337) من قانون الشركات التجارية آلية مباشرتها لنشاطها التجاري في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنعت أي شركة أجنبية من مباشرة نشاطها في إقليم الدولة ما لم تُقيَّد في سجل الشركات الأجنبية وتحصل على الموافقات والرخص المطلوبة بموجب القوانين النافذة في الدولة.
وقد ذهبت محكمة التمييز إلى هذا المعنى في الطعن العقاري رقم (593) لسنة 2024، الصادر بجلسة 11/03/2025:
(… ومن المقرر بقضاء الهيئة العامة لمحكمة التمييز – أن مفاد نصوص المواد (313) و(314) و(315) و(316) من القانون الاتحادي رقم (8) لسنة 1984 بشأن الشركات التجارية – المقابلة للمواد (335، 336، 337) من القانون 32 لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية الجديد – تدل مجتمعة على أنه إذا مـا خالفـت الشـركـة الأجنبيـة أو المكتـب أو الفـرع التـابـع لهـا أو من زاولوا عملاً نيابة عنها الإجراءات المبينة بتلك المواد، ولـم يقوموا باستيفـائهـا قبـل مـزاولـة أي نشـاط للشركة داخـل الدولة، فـإنـه لا يعتـد بهـا كشخصيـة اعتبارية ذات ذمـة مستقلة عن ذمم الشركاء فيها، وكل ما يتم من أعمال أو تصرفات لحساب هذه الشركة الأجنبية قبل تمام تلك الإجراءات يسأل عنها وبالتضامن الأشخاص الذي أجروا العمل أو التصرف وينصرف أثره إلى ذممهم الشخصية…)
الجزاءات ومسؤولية القائمين على الإدارة
وتقترن متطلبات التسجيل بجزاءات واضحة على مخالفتها، قد تشمل فرض غرامات مالية على الشركة، بل قد يصل الأمر إلى إغلاق المحل التجاري لحين استيفاء الإجراءات. كما أن المديرين أو الشركاء قد يتحملون مسؤولية شخصية عن الأضرار التي تلحق بالغير، فيُسألون عنها من أموالهم الخاصة، لا من أموال الشركة فقط.
وقد عالجت الفقرة الرابعة من المادة (15) مسؤولية مديري الشركة أو أعضاء مجلس الإدارة عن عدم التسجيل في السجل التجاري.
(يسأل مديرو الشركة أو أعضاء مجلس إدارتها – حسب الأحوال – بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير بسبب عدم قيد العقد أو أية تعديلات تطرأ عليه بالسجل التجاري لدى السلطة المختصة)
فلو فرضنا أن شركة أُسِّست، إلا أن مديريها أو أعضاء مجلس إدارتها أهملوا القيام بالإجراء القانوني المهم، وهو تسجيل عقد الشركة أو التعديلات التي تطرأ عليه في السجل التجاري، فإن هذا الإهمال تترتب عليه جملة من النتائج؛ لأن السجل التجاري ليس مجرد ورقة أو إجراء شكلي، بل هو وسيلة لإشهار الشركة أمام الجميع، حتى يطمئن المتعاملون معها ويعرفوا مركزها القانوني وهيكلها وحقوق شركائها.
فقد يترتب على هذا الإهمال ضرر يلحق بالشركة، وقد يصيب الضرر الشركاء، كأن تكون حقوقهم فيما بينهم غير محمية أو مشكوكًا في صحتها. بل إن الضرر قد يتعدى إلى الغير من التجار أو العملاء الذين تعاملوا مع شركة يظنون أنها قانونية ومشهرة، ثم يكتشفون أنها لم تُسجَّل أصلًا.
هنا يتدخل المشرع بحزم، ويقرر أن مديري الشركة أو أعضاء مجلس إدارتها مسؤولون بالتضامن عن تعويض هذا الضرر.
وبهذا يضمن القانون عدم التهاون في التسجيل، ويلزم القائمين على إدارة الشركة بتحمل نتائج أي إهمال، حمايةً للشركة وشركائها والمتعاملين معها على حد سواء.
حماية الاسم التجاري وحقوق الملكية الفكرية
وإلى جانب الجزاءات والمسؤولية عن الأضرار، تبرز مسألة حماية الاسم التجاري للشركة. فعدم التسجيل يحرمها من أي حماية قانونية، مما يتيح للغير استخدام الاسم نفسه أو اسم مشابه، دون أن تستطيع الشركة الاعتراض أو المطالبة بحقوقها. وقد يتعدى الأمر، من وجهة نظرنا، ليشمل حقوق الملكية الفكرية.
وخلاصة القول، إن أهمية التسجيل في السجل التجاري تتجلى في ترابط المسائل التي تناولها المقال: من اكتساب الشخصية الاعتبارية ونفاذ عقد الشركة وحجية بياناتها، إلى متطلبات مباشرة الشركات الأجنبية لنشاطها، والجزاءات ومسؤولية القائمين على الإدارة، وصولًا إلى حماية الاسم التجاري وحقوق الملكية الفكرية. ومن ثم، فإن العناية بالتسجيل وقيد التعديلات ليست مجرد استيفاء لإجراء إداري، بل هي خطوة أساسية نحو استقرار المركز القانوني للشركة وصون حقوق الشركاء والمتعاملين معها في بيئة الأعمال الإماراتية.